إننا نحيا اليوم في عالمٍ يعيش على وقع خطىً متسارعة، حيث يعمل العلماء ليل نهار على تطوير حواسيب قادرةٍ على التعلم والتفكير مثلنا نحن البشر؛ لكن، لما لا نخطو خطوةً أوسع إلى الأمام، كالتفكير في حاسوبٍ لا يفكر مثلنا فقط، بل ويستطيع أن يقرأ أفكارنا! تبدو الفكرة مستوحاة من أدب الخيال العلمي، لكن مجموعةً جادةً من العلماء تعمل حقيقةً على إنشاء ذكاءٍ اصطناعي قادرٍ على قراءة عقول البشر.
ولكي نعرف أكثر، يجب أن نشد الرحال إلى اليابان؛ ففي واحدٍ من أحدث الإنجازات العلمية، قام علماءٌ من جامعة كيوتو (Kyoto University) بدراسة الشبكات العصبية العميقة (Deep Neural Network) وهي أحد فروع الذكاء الصناعي (AI –Artificial Intelligence-) ووجدوا أن الحواسيب قادرةٌ على تصوير ما يفكر فيه الإنسان (أي على إخراج صورٍ لما يتم التفكير فيه).
لكن، وقبل أن نطلق لخيالنا العنان، يجب أن نعي أن هذه التكنولوجيا مازالت حديثة، ففي حال نشر صديقٌ لك على الفيس بوك (facebook) صورةً سيئة، فلا تتوقع أن يستشعر حاسوبك أو هاتفك الذكي ذلك، وينقله إلى العالم مباشرةً، فالتكنلوجيا الجديدة التي نتكلم عنها تعمل تحت ظروفٍ معينة، لكن، سيكون لها دون شك تطبيقاتٌ مذهلة –أو حتى مخيفة-في المستقبل.
وقد نشر العلماء ما توصلوا إليه على موقع بايو اركايف (Bio Rxiv) وهي خدمةٌ تخص المواد المتخصصة بعلوم الحياة، مكرسةٌ لنشر وأرشفة الدراسات قبل أن تتم طباعتها. ويجدر بنا في هذا المقام صراحةً أن نشير إلى أن هذا المفهوم غير جديدٍ من حيث المبدأ، فقد استُعمل تعلم الآلات (machine learning) من قبل مع التصوير بالرنين المغناطيسي (Magnetic Resonance Imaging) * بغية انتاج تمثيل صوري لما يفكر به الشخص، لكن الصور كانت بسيطة، وكمثالٍ عليها نذكرُ الصورة الثنائية (binary images) **.
وعودةً إلى موضوعنا، فإن العلماء في جامعة كيوتو قاموا بتسجيل النشاط الدماغي لمجموعةٍ من الأشخاص أثناء عرض صورٍ مختلفةٍ عليهم، كصور من الطبيعة (مثل صور الحياة البرية) وصور الأشكال الهندسية والأحرف، وذلك لفتراتٍ زمنيةٍ مختلفةٍ؛ وبعدها قام الحاسوب بـ “فك شفرة” هذه المعلومات –التي تم تسجيلها من الدماغ – لهدفين اثنين، أولهما تشكيل صورٍ لما تمت رؤيته، وثانيهما محاولة معرفة كيفية تعبير أفكارِ الدماغ عن هذه الصور.

ولكي تتضح الصورة أكثر، فإن العلماء قد استعملوا هذه التقنيات التي ذكرناها بغية تمكين الذكاء الاصطناعي من إيجاد طرقٍ أفضل “لقراءة أفكار” الدماغ؛ فالأمر لم يعد مقصوراً على الصورة الثنائية، بل باتت الحواسيب قادرةٍ على التعامل مع صورٍ أكثر تعقيداً (على مستوىً تراتبيٍ “هرمي” –إن صح التعبير-)؛ وكمثالٍ على ذلك، فإن القائمين على البحث، غردوا على تويتر؛ حيث وضعوا صورةً تحوي بومةً في الأمام، وفي الخلف صورة كبيرة غير واضحة المعالم لإنسان يتسلل (وهذا تقدمٌ كبير مقارنةً بالصور الثنائية)، وفيما بعد عملوا على طريقةٍ لتشكيل الصور بناءً على نشاط الدماغ. وهذا كله إن دل على شيء، فإنما يدل على أن قدرة الذكاء الاصطناعي في “قراءة الأفكار” بدقة اكبر مما كنا نعتقد، فما قدمه فريق جامعة كيوتو يدل على أن الذكاء الاصطناعي قادرٌ على كشف وتحديد الأشياء، جاعلاً الصور الثنائية شيئاَ من الماضي.
مما سبق، نجد أن هذه التقنيات تتقدم بسرعةٍ كبيرةٍ فعلاً، وتعقيباً على ذلك، صرح أحد العلماء المشاركين في هذا المشروع لـ CNBC، العالم كاميتناني (Kamitani) قائلاً: “لقد كانت طريقتنا السابقة تقوم على افتراض أن الصور تتألف من بيكسلاتٍ (pixels) صغيرة وأشكالٍ بسيطة، لكنه من المعلوم أن الدماغ يعالج المعلومات البصرية بشكلٍ هرمي، مستخرجاً مستويات مختلفةً من المميزات والمكونات بدرجات تعقيدٍ مختلفة”.
وأضاف أيضاً: “يمكن استعمال الشبكات العصبية أو نموذج الذكاء الاصطناعي كمدخلٍ لفهم البنية الهرمية للدماغ”.
وفي حال لم يكن كل هذا مذهلاً، فما زال هناك المزيد، حيث أن نجاح هذه التكنولوجيا لم يكن مرهوناً بمشاهدة صورٍ من قبل الأشخاص الذين تمت دراستهم فقط، بل نجحت أيضاً عندما حاول هؤلاء تذكر الصور (أي أنه عُرِضَت صورٌ على مجموعةٍ من الأشخاص في المرة الأولى وقام عندئذٍ الحاسوب بتسجيل نشاط دماغهم بغية رسم صورٍ لما رأوه، أما في المرة الثانية، فقد طُلِب من الأشخاص أن يتذكروا صوراً –عوض أن تعرض عليهم-) ولا شك أن الحالة الثانية –تذكر الصور ومن ثم تسجيل نشاط الدماغ واستعمال المعلومات التي تم الحصول عليها منه في تشكيل الصور- أصعب من الحالة الأولى، حيث أنه وكما توضح الصورة التالية، فإن الصور التي يعاد تشكيلها بناءً على صور تتم مشاهدتها بشكل مباشر –الحالة الأولى-تكون أوضح من نظيرتها التي يتم فيها تشكيل الصور بناءً على صور يتم تذكرها.
الصور ذات الإطار الأسود هي الصور التي تمت مشاهدتها –صورة أصلية إن صح التعبير-أما الصور ذات الإطار الرمادي فهي صور تمت إعادة تشكيلها بناءً على المعلومات التي تم الحصول عليها من تسجيل نشاط الدماغ، ونجد أن كل صورة أصلية يقابلها ثلاث صور معاد تشكيلها، وكل واحدة من هذه الصور الثلاث تعود إلى شخص ما (أي تم عرض الصورة الواحدة على ثلاثة أشخاص)
لكن، وبعد كل هذا الكلام، هل يجب أن يملأنا السرور ويغمرنا الحبور، أم يجب أن نشعر بالخوف أو القلق على أقل تقدير؟ حسناً، إن فكرة وجود ذكاءٍ اصطناعي قادرٍ على قراءة الأفكار قد لا يكون شيئاً يدعو إلى راحة البال، لكن، هناك جانبٌ مشرق، فبتطوير هكذا تكنولوجيا، سنستطيع إنشاء الفنون والصور عن طريق التفكير فيها فقط، فضلاً عن قدرتنا على مساعدة المرضى النفسيين الذين يعانون من الهلوسات (hallucination)، حيث سيُتاح لهم تشكيل ما يرونه مما يسهل طريق علاجهم.
إذاً، ها نحن أمام تكنولوجيا ذكاءٍ اصطناعي تقرأ الأفكار وتزداد تعقيداً يوماً بعد يوم! وعلى كل الصناعات في العالم، سواءً أكانت متعلقةً بالطب أو الإبداع، أن تحاول استثمار هذه التكنولوجيا الجديدة والتي –أي التكنولوجيا-تحتاج إلى عين يقظةٍ تراقبها ومعايير حمايةٍ صارمةٍ تقي مستعمليها من الضررَ.
الحاشية:

* الصور الثنائية (binary images): هي صور تملك فيها البيكسلات قيمتين فقط فيما يتعلق بالشدة، هما الأبيض والأسود؛ الأسود يقابله غالباً الـ 0 أما الأبيض فيقابله 1 أو 255
صورة ثنائية لا تحوي البيكسلات فيها سوى الأبيض والأسود
مصدر الصورة: ويكيبيديا
**الـ MRI: التصوير بالرنين المغناطيسي (Magnetic Resonance Imaging) هي طريقة تشخيص طبية ثلاثية الأبعاد تُستعمل لتصوير الأعضاء الداخلية للجسم دون الحاجة لأشعة X.






اضف تعليق